ابن عجيبة

7

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ أي : تطلبوا ما قسم لكم في الأزل من المقادير بالأزلام ، جمع زلم - بضم الزاي وفتحها - وهي الأقداح على قدر السهام . وكانت في الجاهلية ثلاثة ، قد كتب على أحدها : افعل ، وعلى الآخر : لا تفعل ، وعلى الثالث : مهمل ، فإذا أراد الإنسان أن يعمل أمرا جعلها في خريطة ، وأدخل يده وأخرج أحدها ، فإن خرج له الذي فيه « افعل » ؛ فعل ما أراد ، وإن خرج الذي فيه « لا تفعل » ، تركه ، وإن خرج المهمل أعاد الضرب ، ويقاس عليه كل ما يدخل في علم الغيب ، كالقريعة والحظ والنصبة والكهانة ، وشبهها . ذلِكُمْ فِسْقٌ ، الإشارة إلى المحرمات المذكورة ، أو إلى الاستقسام بالأزلام ، وإنما كان فسقا ؛ لأنه دخول في علم الغيب الذي انفرد اللّه به ، وفيه تجسس على سر الملك ، وهو حرام ، ولا يعارض ما ثبت جوازه من القرعة ، في أمور مخصوصة كتمييز الأنصبة في القسمة ، « وقد كان - عليه الصلاة والسلام - يقترع بين نسائه » ، وغير ذلك مما تفيد تطييب القلوب ، دون الاطلاع على علم الغيوب . واللّه تعالى أعلم . الإشارة : حرمت عليكم يا معشر المريدين طلب الحظوظ والشهوات ، وما تموت به قلوبكم من الانهماك في الغفلات ، وتناول ما أعطيكم لغير وجه اللّه ، وقبضتموه من غير يد اللّه ، بأن نظرتم حين قبضه إلى الواسطة ، وغفلتم عن المعطى حقيقة ، فمقتضى شريعة الخواص : إخراجه عن الملك ، وحرمان النفس من الانتفاع به ، كما وقع لبعض الأولياء ، ولا تتناولوا من الطعام إلا ما ذكيتموه بأن شهدتم فيه المنعم دون الوقوف مع النعمة ، ونزلتم إليه بالإذن ، دون قصد الشهوة والمتعة ، وهذا يحتاج إلى تيقظ كبير ومراقبة قوية . واللّه يتجاوز عن أمثالنا بحلمه وكرمه . آمين . ولمّا حرّم اللّه تعالى هذه الأشياء حصل للمشركين الإياس من موافقة المسلمين لهم في دينهم ، فلذلك ذكره الحق تعالى بإثر تحريمها ، فقال : . . . الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً . . . يقول الحق جل جلاله : الْيَوْمَ الذي أنتم فيه ، وهو يوم الجمعة ، ويوم عرفة في حجة الوداع ، يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ أن يبطلوه ، أو يظهروا عليه بحصول المباينة لهم في أمورهم كلها ، ولظهور الإسلام فيه وكثرة المسلمين ، قيل : إنه وقف معه صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه الحجة : مائة ألف وأربعة عشر ألفا ، ويحتمل أن يريد باليوم الزمان الحاضر ، وما يتصل به من الأزمنة الآتية ، فَلا تَخْشَوْهُمْ أن يظهروا عليكم ، وَاخْشَوْنِ وحدي ؛ فأمرهم بيدي . الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ بالنصر والإظهار على الأديان كلها ، أو بالتنصيص على قواعد العقائد ، والتوقيف على أحوال الشرائع وقوانين الاجتهاد ، وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي بالهداية والتوفيق ، أو بإكمال الدين ، وبالفتح والتمكين ، بهدم منار الكفر ، ومحو علل الملحدين ، وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً أي : اخترته لكم من بين الأديان ، الذي لا نرتضى غيره ولا نقبل سواه .